لأول مرة منذ أغسطس 2020، يتراجع القطاع الخاص غير النفطي في المملكة العربية السعودية إلى منطقة الانكماش، لتُعلن الأرقام عمّا كانت المؤشرات تُلمّح إليه منذ أسابيع: إن التوترات الجيوسياسية في المنطقة لم تعد مجرد قلق أمني، بل باتت ضربةً اقتصادية موجعة تُلقي بظلالها على مفاصل الاقتصاد السعودي.
الأرقام لا تكذب
كشفت أحدث قراءة لمؤشر مديري المشتريات الصادر عن بنك الرياض تراجع المؤشر إلى 48.8 نقطة في مارس، هابطًا من 56.1 نقطة في فبراير، ليخترق حاجز الخمسين نقطة الفاصل بين النمو والانكماش، في ثاني أكبر انخفاض منذ بدء الدراسة عام 2009. رقم صادم بكل المقاييس، يعكس حجم الصدمة التي تلقّاها القطاع الخاص جراء الحرب وتداعياتها المتشعّبة.
هرمز.. المضيق الذي يخنق التجارة
في قلب هذه الأزمة يقبع مضيق هرمز، الممر المائي الذي طالما اعتُبر شريانًا حيويًا للخليج بأسره. تواجه سلاسل الإمداد في المنطقة ضغوطًا متزايدة نتيجة إعادة توجيه السفن، وارتفاع تكاليف التأمين، وتذبذب جداول الرحلات، مع تراجع حركة الشحن عبر المضيق الذي تعتمد عليه دول الخليج في استيراد جزء كبير من السلع الغذائية والأساسية.
والأرقام تكشف عمق الهشاشة؛ إذ تشير بيانات التجارة إلى أن دول الخليج استوردت عشرة مليارات دولار من الحبوب واللحوم والمنتجات الطازجة خلال عام واحد، كان معظمها يصل بحرًا عبر هذا المضيق، مما يُبرز حساسية المنطقة لأي اضطراب طويل في حركة الملاحة.
تراجع الطلبات وتآكل ثقة المستهلك
لم يتوقف الأثر عند سلاسل التوريد، بل امتدّ ليطال الطلب المحلي والخارجي معًا. تراجعت طلبات التصدير الجديدة بأسرع وتيرة منذ نحو ست سنوات، فيما تأثرت المبيعات المحلية جراء ضعف ثقة المستهلكين، مما حفّز الشركات على تقليص إنتاجها، فضلًا عن تأخيرات في الشحن وارتفاع تكاليف النقل أسهمت في تراكم الأعمال.
وعلى صعيد التوظيف، استمر التوسع في الوظائف لكنه تباطأ بشكل كبير مقارنةً بفبراير، فيما أشارت بعض الشركات إلى زيادة أعداد موظفيها لتعويض ضغوط العرض وتحقيق أهداف القوى العاملة المحلية.
أزمة مؤقتة أم بداية مرحلة جديدة؟
يرفض كبير الاقتصاديين في بنك الرياض نايف الغيث القراءة التشاؤمية المطلقة للمشهد. يرى الغيث أن انخفاض المؤشر يمثّل انعكاسًا لتصحيح مؤقت أعقب فترة من النمو القوي، وأنه يعكس في معظمه حالة من عدم اليقين قصيرة الأجل المرتبطة بتصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
ويلفت الغيث إلى نقطة جوهرية تمنح بعض التفاؤل؛ فتراكم الطلبات غير المنجزة يشير إلى أن الطلب الأساسي لا يزال موجودًا، وأن استمرار توسع التوظيف يعكس ثقة قطاع الأعمال في الطلب المستقبلي.
المملكة ترتّب أوراقها اللوجستية
في مواجهة هذا المشهد الضاغط، لم تنتظر المملكة العربية السعودية. مع امتداد تداعيات الأزمة إلى سلاسل الإمداد والتجارة والغذاء في الخليج، اتجهت السعودية إلى تفعيل شبكة متكاملة تشمل خطوط الأنابيب والموانئ والنقل البري والسكك الحديدية، إلى جانب حلول تشغيلية في قطاع الطيران، بهدف الحفاظ على انسيابية التدفقات وتخفيف أثر الاضطرابات.


