في مشهد يجمع بين التقلب المالي الحاد وضبابية المشهد الجيوسياسي، عادت أسعار النفط إلى الارتفاع يوم الخميس لتتجاوز حاجز 97 دولاراً للبرميل، وذلك بعد يوم واحد فقط من تسجيلها أكبر انهيار يومي منذ أبريل 2020، حين تراجعت بنسبة تجاوزت 13%. هذا التأرجح الحاد لا يعكس مجرد حركة مضاربة عابرة، بل هو مرآة صادقة لعالم يقف على مفترق طرق بالغ الخطورة.
هرمز: شريان العالم المعلّق
لا يمكن فهم ما يجري في أسواق الطاقة اليوم دون الوقوف عند مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الذي كان حتى وقت قريب يستوعب ما يقارب خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية. منذ أن شنّت الولايات المتحدة ضرباتها على إيران في نهاية فبراير الماضي، شهد المضيق توقفاً شبه كامل لحركة الملاحة، مما أفضى إلى أكبر اضطراب تشهده أسواق الخام في تاريخها.
الروايات المتضاربة تزيد المشهد تعقيداً؛ فبينما أفادت وكالة “فارس” الإيرانية بأن مرور ناقلات النفط توقف كلياً إثر الضربات الإسرائيلية، خرج نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ليؤكد رؤية “مؤشرات على بدء إعادة فتح المضيق”. وفي خطوة تبدو لافتة، أعلنت منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية عن مسارين آمنين مخصصين للسفن العابرة، صُمِّما لتفادي الألغام المضادة للسفن، وهو إجراء يحمل في طياته دلالة مزدوجة: فهو من جهة إشارة لإعادة الانفتاح، ومن جهة أخرى تذكير صريح بعمق الخطر الكامن في هذه المياه.
وقف إطلاق النار: هدنة أم وهم؟
أعلن الرئيس ترامب وقف إطلاق النار، فانخفضت الأسعار بشكل حاد. لكن الواقع على الأرض يروي قصة مغايرة. فقد أعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف انتهاك ثلاثة بنود على الأقل من مقترح وقف إطلاق النار، فيما تواصلت الاشتباكات المتقطعة في أرجاء المنطقة، بما فيها تحركات إسرائيلية في لبنان وضربات إيرانية على دول الخليج.
ويزيد من تعقيد الأزمة وجود خلاف جوهري بين طهران وواشنطن وتل أبيب حول نطاق وقف إطلاق النار؛ هل يشمل لبنان أم لا؟ هذا الغموض يُبقي الأسواق في حالة من التأهب القصوى، إذ يكفي تصريح واحد أو حادثة أمنية مفردة لإحداث موجة جديدة من التقلبات.
الطاقة لا تُعاد بزر واحد
حتى في حال تحقق السيناريو الأمثل وانفتح المضيق بالكامل، فإن عودة إمدادات الطاقة إلى مستوياتها السابقة لن تكون فورية. فقد خُفِّض الإنتاج في حقول النفط والغاز، وقلّصت المصافي طاقتها أو أوقفت عملياتها كلياً، وقد يستغرق استئناف النشاط الطبيعي في بعض هذه المنشآت أسابيع، بل ربما أشهراً في الحالات الأشد تضرراً. وهذا ما عناه المحلل النفطي كارل لاري حين قال إن “مستوى 90 دولاراً يبدو أرضية قوية حتى تتحول التوقعات إلى واقع ملموس”.
الدبلوماسية تختبر نفسها في باكستان
على المسار الدبلوماسي، تستعد واشنطن لجولة محادثات مباشرة مع طهران في باكستان صباح السبت المقبل، يقودها نائب الرئيس فانس. وتُعدّ هذه الجولة من أكثر اللحظات حساسية في الأزمة، إذ يراهن المتعاملون في الأسواق على مآلاتها بحذر شديد. فكما أشار دينيس كيسلر من “بي أو كيه فايننشال”: “الأمر لم ينته بعد، نحتاج إلى فتح كامل للمضيق دون أي عوائق قبل أن نشهد أسعار النفط في نطاق الثمانينيات”.
خلاصة: السوق لا تُصدِّق الوعود بعد
ما تكشفه هذه الأحداث المتسارعة هو أن أسواق النفط باتت تتداول على “المشاعر الجيوسياسية” بقدر ما تتداول على الأرقام الفعلية للعرض والطلب. فالارتفاع السريع الذي أعقب الانهيار الحاد لا يعني عودة الثقة، بل يعكس في جوهره حالة من عدم اليقين العميق. والأسواق، شأنها شأن الجغرافيا السياسية، لا تحب الفراغ.
الأسابيع القادمة ستكون حاسمة: إما أن تتحول الهدنة الهشة إلى سلام دائم يُعيد تدفق الطاقة ويطمئن الأسواق، وإما أن يتصدع هذا الإطار الرقيق فتعود الأسعار إلى مساراتها الصاعدة بكل ما يحمله ذلك من تداعيات على الاقتصاد العالمي.


