سجّل معدل التضخم في المملكة العربية السعودية ارتفاعاً طفيفاً خلال مارس الماضي، ليبلغ 1.8% على أساس سنوي، صاعداً من أدنى مستوياته في عام والذي كان قد سجّله في فبراير الماضي. وعلى الرغم من أن هذه الزيادة لم تتجاوز عُشر نقطة مئوية، فإن توقيتها يستدعي الاهتمام؛ إذ جاءت في شهر اقترن بتصاعد التوترات الإقليمية وتداعيات الحرب على أسعار السلع عالمياً، فضلاً عن تزامنه مع شهر رمضان المبارك وعيد الفطر، وهي مناسبات تشهد تاريخياً ضغوطاً على الأسعار.
محركات التسارع… ومحدداته
لم يكن التسارع في معدل التضخم نتاج ضغط واسع النطاق، بل جاء محدوداً بفعل ارتفاع أسعار الأغذية التي باتت تحتل المرتبة الأولى في وزن مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 22% وفق المنهجية المحدثة التي اعتمدتها الهيئة العامة للإحصاء منذ أغسطس الماضي. وقد ارتفعت أسعار الأغذية بنسبة 0.2%، في حين تباطأت المشروبات، مما أسهم في تحريك المؤشر العام نحو الأعلى.
في المقابل، عمل قطاعان رئيسيان كمثبّطَين للتضخم؛ فقد تباطأ قطاع “السكن والمياه والكهرباء والغاز”، وهو ثاني أكبر مكونات المؤشر بوزن 19.5%، كما تراجعت وتيرة النمو في قطاع “النقل” الذي يحتل المرتبة الثالثة بوزن 14.8%. وقد أسهم هذا التباطؤ في الحدّ من تأثير ارتفاع أسعار الغذاء على المؤشر الكلي.
قصة الإيجارات: تحوّل تاريخي
تبقى قصة إيجارات المساكن الأكثر لفتاً للنظر في هذا التقرير. فقد سجّلت الإيجارات أدنى وتيرة ارتفاع في 40 شهراً، بلغت 4.8%، مواصلةً تباطؤها للشهر السادس عشر على التوالي. وتأتي هذه النتيجة في سياق حزمة إجراءات أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان نهاية مارس الماضي لتحقيق التوازن في القطاع العقاري بالعاصمة، تضمنت تجميد زيادات الإيجارات في الرياض لمدة خمس سنوات اعتباراً من سبتمبر الماضي.
وقد جاءت هذه التدخلات رداً على موجة ارتفاعات قياسية في أسعار الأراضي والإيجارات شهدتها الرياض على مدار السنوات الماضية، دفعتها ارتفاعات حادة في الطلب مع تأسيس الشركات العالمية لمقارّها الإقليمية في المملكة، واستقطاب أعداد كبيرة من الكفاءات الأجنبية، في مقابل تباطؤ المعروض السكني جراء انخفاض التمويل العقاري الجديد. وقد نبّه صندوق النقد الدولي في تقرير مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 إلى أن هذه الضغوط الإيجارية مرتبطة أيضاً بتدفقات العمالة الوافدة وخطط إعادة التطوير الكبرى في الرياض وجدة.
الرياض تتصدر… والتوقعات تطمئن
على صعيد التوزيع الجغرافي، تتصدر الرياض قائمة أعلى معدلات التضخم بين المدن السعودية بنسبة 3%، غير أن هذا المستوى يمثّل في حد ذاته أدنى معدل للعاصمة منذ 26 شهراً، في حين سجّلت منطقة عسير أدنى معدل على مستوى المملكة بـ0.4%.
وعلى المدى المتوسط، تشير توقعات وزارة المالية إلى استقرار التضخم عند مستوى 2% خلال العام الجاري، ثم تراجعه إلى 1.8% في 2027، قبل أن يرتفع طفيفاً إلى 1.9% في 2028. وهو ما يتوافق مع تقدير صندوق النقد الدولي بأن التضخم السعودي يبقى تحت السيطرة، ومرشّح للاستقرار قرب المستويات المستهدفة.


