في خطوة تعكس التسارع الملحوظ في مسيرة التحول الاقتصادي للمملكة العربية السعودية، أعلن صندوق الاستثمارات العامة وشركة ستيت ستريت لإدارة الاستثمارات عن إطلاق صندوق المؤشرات المتداولة النشط المعزز للأسهم السعودية (SAQL)، وذلك باستثمار رئيسي أولي من الصندوق السيادي السعودي. ويمثّل هذا الإطلاق حلقةً جديدة في سلسلة شراكات استراتيجية تهدف إلى ترسيخ مكانة السوق السعودية وجهةً استثمارية عالمية بامتياز.
صندوق يجمع بين الذكاء والكفاءة
لا يُعدّ SAQL صندوقاً تقليدياً بأي معنى من المعاني؛ إذ ينتمي إلى فئة الصناديق الكمّية التي تعتمد على النماذج الرياضية والخوارزميات المتطورة والبيانات الضخمة في إدارة محافظها الاستثمارية. ويعتمد الصندوق نظاماً يُراعي عوامل متعددة في اختيار الأسهم، مما يمنحه ميزة تنافسية في تحديد الفرص وتحقيق عوائد منضبطة ومدروسة.
هذا المزيج بين الأسلوب الاستثماري النشط والمنهجية الكمّية الصارمة يجعل من الصندوق أداةً محورية لتمكين المستثمرين الدوليين من الاستفادة من الزخم الاقتصادي الذي تشهده المملكة، دون أن يضطروا إلى خوض تعقيدات السوق المحلية بشكل مباشر.
بوابة أوروبية نحو الرياض
أحد أبرز ما يميّز هذا الصندوق أنه صُمِّم ليكون في متناول المستثمر الأوروبي، حيث سيكون متاحاً في ثلاثة عشر سوقاً أوروبية تشمل المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا والدول الإسكندنافية، فضلاً عن أيرلندا ولوكسمبورغ والنمسا. وقد شهدت سوق لندن للأوراق المالية المراسم الرسمية لإدراجه، في إشارة رمزية بالغة الدلالة على الروابط المتنامية بين أسواق رأس المال البريطانية والسعودية، علماً بأنه أُدرج ابتداءً في سوق زيترا الألمانية.
استمرارية لا بداية جديدة
لا يأتي إطلاق SAQL في فراغ؛ بل هو الثمرة الطبيعية لشراكة راسخة بين صندوق الاستثمارات العامة وستيت ستريت تمتد عبر أسواق متعددة. فقد سبق لهما إطلاق صندوق “SPDR – جي بي مورجان السعودي المجمع للسندات” الذي استثمر فيه الصندوق السيادي 750 مليون ريال أي ما يعادل 200 مليون دولار، وأُدرج في السوق المالية بسنغافورة في سبتمبر 2025.
والأهم من ذلك أن صندوق الاستثمارات العامة قد شارك حتى الآن في إطلاق خمسة صناديق مؤشرات متداولة في تسعة أسواق عالمية، تمتد من هونج كونج وطوكيو وشنغهاي وشنزن، إلى لندن وفرانكفورت وسنغافورة وإيطاليا. وهذا الانتشار الجغرافي الواسع ليس مصادفة، بل هو تعبير عن رؤية مدروسة ترى أن جذب رأس المال الدولي يمر حتماً عبر بناء منتجات مالية محلية قابلة للتداول في الأسواق العالمية.
إستراتيجية 2026 – 2030: من التوسع إلى خلق القيمة
يتوافق هذا الإطلاق مع إستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للمرحلة 2026 – 2030 التي أقرّها مجلس الإدارة برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وتُمثّل هذه الإستراتيجية انتقالاً نوعياً من مرحلة النمو والتوسع التي ميّزت المرحلة السابقة، إلى مرحلة أعمق تُعنى بتحقيق القيمة المستدامة وتعظيم الأثر ورفع كفاءة الاستثمارات، مع الالتزام بأعلى معايير الحوكمة والشفافية.
وتتوزع استثمارات الصندوق في هذه المرحلة على ثلاث محافظ، أبرزها “محفظة الرؤية” التي تستهدف بناء ست منظومات اقتصادية متكاملة تُعزز التكامل بين القطاعات الاستراتيجية وتفتح آفاقاً أرحب للقطاع الخاص بوصفه شريكاً حقيقياً لا مجرد مستفيد. ويؤكد نائب المحافظ يزيد الحميد أن الهدف الجوهري هو “تمكين جذب رؤوس الأموال العالمية للسوق السعودية”، وهو ما تجسّده شراكات الصندوق مع كبار مديري الأصول الدوليين الذين بات عدد منهم يُرسّخ حضوره المحلي داخل المملكة.
السعودية: قصة نجاح تستحق الاهتمام
لا تُخفي الرئيسة التنفيذية لستيت ستريت لإدارة الاستثمارات يي شين هونج إعجابها بما تحقق، إذ ترى أن السعودية باتت في السنوات الأخيرة نموذجاً صريحاً للنجاح، مع سوق محلية تتوسع بوتيرة متسارعة في ظل بيئة تنظيمية داعمة. وتضيف أن هذا المناخ يُوفّر “آفاقاً جاذبة للمستثمرين من حول العالم”، مستشهدةً باهتمامهم المشترك بالابتكار المالي وبخبرة ستيت ستريت الراسخة في هذا الميدان.
وتكفي الأرقام للتدليل على ما يقال؛ فقد أشار الرئيس التنفيذي للصندوق السيادي السعودي إلى أن صندوق الاستثمارات العامة جذب استثمارات أجنبية تجاوزت 75 مليار ريال بين عامَي 2021 و2025، وهو رقم يختصر مسيرة طويلة من العمل الدؤوب على إعادة رسم خارطة الاقتصاد السعودي.


